تشكل مشروعات معالجة المشتقات الوسيطة وتحويلها إلى مواد استهلاكية ذات جدوى نوعية ركيزة أساسية ضمن الرؤى الاقتصادية الرامية إلى ترقية الصناعة التحويلية في العراق، حيث تمنح هذه المبادرات فرصة حقيقية لتقويض استيراد المحروقات الخارجية وتخفيف الأعباء المالية عن الموازنة عبر
تحفيز الاستثمار الخاص وبناء شراكات إنتاجية متطورة. وفي هذا السياق، تبرز تجربة منشأة هدرجة النفثا وتحسين الوقود المنفذة في محافظة كركوك من قبل شركة البرهم لصالح مصافي الشمال، كنموذج تطبيقي فاعل لتحويل اللقيم الخام إلى محروقات متقدمة تشمل البنزين المحسن
بدرجة أوكتان اثنين وتسعين، بالاعتماد على رخص تكنولوجية متقدمة من شركة هانيويل يو أو بي الأمريكية. وتضم المنشأة ثلاث منظومات رئيسية تبدأ بوحدة لمعالجة وهدرجة النفثا بقدرة اسمية تبلغ أربعة عشر ألفاً وأربعمئة برميل في اليوم لتخليصها من الكبريت والشوائب،
ووحدة لأزمرة النفثا الخفيفة بطاقة ستة آلاف برميل يومياً لرفع الرقم الأوكتاني، بالإضافة إلى وحدة متخصصة لتحسين البنزين تصل قدرتها إلى ثمانية آلاف برميل يومياً لإنتاج وقود متطابق مع المعايير الفنية، مما يجعل القدرة السنوية لمعالجة النفثا تقارب أربعة ملايين
وسبعمئة وخمسين ألف برميل على أساس ثلاثمئة وثلاثين يوماً تشغيلياً، علاوة على توليد كميات من الغاز النفطي المسال تتراوح بين مئة وخمسين ومئة وسبعين طناً بصورة يومية إلى جانب منتجات مرافقة. تتجلى العوائد الاستراتيجية لمثل هذه المشاريع في تعظيم القيمة
الاستثمارية للخامات النفطية داخل الحدود الوطنية، والاستفادة المباشرة من فوارق الأسعار بين المنتجات الوسيطة والمشتقات النهائية بما يدعم كفاءة الموارد ويحد من استنزاف العملة الأجنبية المستعملة في شراء البنزين المستورد. كما تنعكس إيجاباً على استقرار التجهيز للمناطق المجاورة وتحريك سلاسل
الإمداد والنقل والصيانة الفنية، حيث تشير التقديرات التشغيلية إلى مساهمة المشروع في خفض الاستيراد بما يقارب عشرة آلاف برميل يومياً، مع تحقيق مردود اقتصادي سنوي يراوح بين مئتين وخمسين وثلاثمئة مليون دولار تبعاً لمستويات الإنتاج وكلف اللقيم ومعدلات التوزيع الداخلي.
فضلاً عن ذلك، تسهم المحطة في خلق نحو ثلاثمئة وخمسين فرصة عمل مباشرة إلى جانب العديد من الوظائف غير المباشرة في المجالات اللوجستية، وتتيح للكوادر الهندسية والتقنية العراقية فرصة اكتساب خبرات دقيقة في تشغيل وتطوير النظم الحديثة للتصنيع التكريري. وفيما
يتصل بالآليات التمويلية، يرى خبراء الصناعة أن نمط البناء والتملك والتشغيل المعروف بصيغة بي أو أو يمثل بديلاً مجدياً مقارنة بنمط البناء والتملك والتشغيل ونقل الملكية المعروف بـ بي أو أو تي، نظراً لأن الأول يتيح للمستثمر تمويل وإدارة المنشأة
بصورة تجارية عبر شراء المواد الأولية وتصريف المخرجات النهائية دون تحميل الدولة أعباء رأسمالية أو التزامات بأجور تكرير، بينما يمنح الثاني أيلولة الملكية للقطاع الحكومي بعد انقضاء أمد العقد. ويتيح نموذج بي أو أو للجهات الرسمية التركيز على المهام التنظيمية
والبيئية وجني عوائد مبيعات اللقيم، مع ترك مخاطر التشغيل والتسويق للشريك الخاص، شريطة وجود عقود متوازنة تضمن انتظام التجهيز والتسعير العادل واستدامة المشاريع. وتتطلب ديمومة هذه المنشآت توفير شروط فنية وتشغيلية مترابطة، إذ يخطط مشروع كركوك لإضافة معدات جديدة لرفع
طاقة التحسين بمقدار أربعة آلاف ومئتي برميل في اليوم لتعزيز مجمل المخرجات، وهو ما يتطلب اكتمال الضوابط الفنية والإدارية اللازمة. ويبرهن هذا التوجه على حتمية التحول نحو معالجة النفثا وزيت الوقود لتحقيق قفزة نوعية في إنتاج الكيروسين وزيت الغاز والمشتقات
البتروكيماوية، بالاستفادة من الشراكات الاستثمارية. وفي المقابل، كشفت وثيقة رسمية تحمل الرقم ألفاً ومئة وستين ومؤرخة في الخامس عشر من تشرين الأول للعام ألفين وستة وعشرين صادرة عن شركة البرهم وموجهة لوزير النفط، عن تقدم الشركة بطلب لتحويل طبيعة التعاقد
الاستثماري من نظام بي أو أو تي المعتمد بالاتفاقية رقم اثنين الموقعة في الحادي والثلاثين من أيار عام ألفين وخمسة عشر وملحقاتها، إلى نظام بي أو أو بصورة مباشرة. وطالبت الشركة بإبرام اتفاق رئيسي لشراء النفثا غير المعالجة من شركة
توزيع المنتجات النفطية بالأسعار الرسمية المعتمدة مع جدولة التجهيز والتسويق، واقترحت تسوية أجور التصفية المتأخرة عبر تزويدها بلقيم النفثا بعد استبعاد تكاليف نقل الملكية وتدقيق الحسابات، بالتوازي مع التباحث في نقل ملكية الأصول وفق المحددات النظامية. وأكدت الشركة استمرارها في
توفير البنزين المحسن منذ الانطلاق التشغيلي الفعلي في الثامن من أيلول ألفين وخمسة وعشرين، رغم الصعوبات الناتجة عن تراكم المستحقات المالية وعدم فتح الاعتماد المستندي ونقص زيت الغاز المخصص لتشغيل المولدات وتأخر إدخال التجهيزات التوسعية، محذرة من اضطرارها لوقف العمليات
إذا لم تتم تسوية هذه المعوقات خلال خمسة عشر يوماً، مع تأكيدها التام على أن طلب التعديل لا يسقط أياً من حقوقها التعاقدية وإنما يستهدف الحفاظ على استمرارية الإنتاج واستقرار منظومة التجهيز في السوق الوطنية.