أثارت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق موجة من التساؤلات حول مدى الانفتاح على سوريا والمخاطر الأمنية والاقتصادية التي قد تنجم عنها، لا سيما في ظل المخاوف المستمرة من نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب عبر الحدود، فضلاً عن
غموض الفوائد الاقتصادية المباشرة التي يمكن أن تحققها التفاهمات بين البلدين. تأتي هذه الزيارة، الأولى من نوعها لرئيس حكومة عراقي إلى دمشق منذ سقوط النظام السوري السابق في أواخر عام 2024، في إطار تحركات حكومية تهدف إلى تعزيز العلاقات مع
دول الجوار، وسط تساؤلات حول الضمانات الأمنية وآليات تنفيذ الاتفاقات الاقتصادية والتجارية المبرمة. أشار خبراء إلى أن الانفتاح السياسي السريع قد يحمل في طياته مخاطر على الأمن القومي، محذرين من إقامة شراكات مع أطراف لم تُحسم بعد تساؤلات حول ماضيها
وأدوارها الإقليمية، خاصة في ضوء النفوذ الاستخباري التركي في المنطقة. تم التأكيد على ضرورة فرض شروط أمنية صارمة لحماية الحدود من تداعيات نشاط الجماعات المسلحة، مع التأكيد على أن الأولوية يجب أن تكون للاعتبارات السيادية والأمنية بدلاً من الاكتفاء بالبروتوكولات
الدبلوماسية. وفي سياق متصل، اعتبر باحثون أن الزيارة تفتقر إلى رؤية استراتيجية عميقة، مشيرين إلى أن إدارة الأزمات في العراق ما زالت تعتمد بشكل كبير على الدبلوماسية بدلاً من بناء منظومة أمنية متكاملة. وأوضحوا أن ضبط الحدود ومكافحة التهريب والتعامل
مع الوجود غير الرسمي على الشريط الحدودي يتطلب آليات ميدانية واضحة وتبادل معلومات دقيق وتحديد المسؤوليات، وليس مجرد مذكرات تفاهم عامة. حذروا من أن محاولة العراق القيام بدور الوسيط أو الضامن في ملفات إقليمية معقدة دون توافق داخلي ورؤية سيادية
موحدة قد تضع البلاد أمام تحديات تفوق قدراتها التفاوضية، مشيرين إلى أن توقيت الزيارة يثير تساؤلات حول موقع العراق الإقليمي. تأتي هذه المخاوف في ظل استمرار التهديد الذي يمثله تنظيم داعش، رغم تصريحات القيادة السورية الانتقالية بتراجع التهديدات ووجود تنسيق
أمني بين البلدين، إلا أن هذه التصريحات لا تغني عن ضرورة التحقق من جاهزية الترتيبات الأمنية لمنع تسلل المسلحين وتنشيط شبكات التهريب. على الصعيد الاقتصادي، برز مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب النفط بين كركوك وحديثة وبانياس كأحد الملفات الرئيسية في
المباحثات، حيث يمكن أن يوفر منفذاً إضافياً لتصدير النفط عبر البحر المتوسط ويقلل الاعتماد على مسارات التصدير التقليدية المعرضة للاضطرابات. مع ذلك، يبقى تنفيذ المشروع غير مضمون، إذ يتطلب تقييمات فنية ومالية وضمانات أمنية، بالإضافة إلى تحديد تكلفة إعادة التأهيل
وشروط التشغيل والتصدير. تم التأكيد على أن مذكرات التفاهم الاقتصادية تحتاج إلى جداول زمنية وآليات تنفيذ واضحة وضمانات مالية، لتجنب أن تتحول إلى شعارات إعلامية لا تؤثر على الميزانية أو فرص العمل، خاصة في ظل الضغوط المالية والاعتماد الكبير على
الإيرادات النفطية. في المقابل، اعتبر مستشار اتحاد الغرف التجارية أن الجولة الإقليمية لرئيس الوزراء تمثل خطوة دبلوماسية متوازنة يمكن أن تسهم في تنويع منافذ تصدير النفط وتوسيع الشراكات الاستثمارية وتعزيز مشاريع التنمية. لكن النجاح في تحقيق هذه الأهداف مرتبط بتحويل
التفاهمات إلى عقود ومشاريع ملموسة بدلاً من الاكتفاء بالزيارات الدبلوماسية. تضع هذه التطورات التقارب بين العراق وسوريا أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرة الطرفين على تقديم ضمانات أمنية قابلة للتحقق وتحويل الاتفاقات الاقتصادية إلى مشاريع ذات عوائد واضحة تحقق مصالح العراق
وتحافظ على أمن الحدود وهامش حركته الإقليمي.