شهدت صادرات النفط الخام الإيرانية اختفاءً شبه كامل من الأسواق الدولية، مع تضافر عوامل متعددة أدت إلى شل قدرة طهران على إيصال نفطها عبر خليج عمان إلى المستهلكين العالميين. فالحصار البحري الأمريكي، المقترن بعقوبات صارمة ومتواصلة وهجمات استهدفت البنية التحتية،
أحكم قبضته على الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني. ووفقاً لبيانات تتبع السفن التي قدمتها شركة "تانكر تراكرز"، لم يتمكن أي برميل من النفط الخام الإيراني من عبور خط الحصار البحري الأمريكي الواقع بين خليج عمان وبحر العرب على مدار الستين يوماً المنصرمة.
وفي سياق متصل، أشارت وكالة رويترز إلى أن القيود الأمريكية المفروضة على عمليات الشحن المتصلة بإيران قد أوقفت فعلياً صادرات النفط الخام الإيرانية منذ إعادة فرضها في منتصف شهر يوليو. وقد أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن هذا الحصار يستهدف بشكل محدد
الشحنات المرتبطة بالموانئ الإيرانية، بهدف رئيسي هو وقف تدفقات النفط من طهران، مع التأكيد في الوقت ذاته على الحفاظ على حرية الملاحة لكافة الأنشطة التجارية الأخرى عبر منطقة الخليج. الغريب في الأمر أن هذا التراجع الحاد في الصادرات لم يتبعه تكدس
كبير في مخزونات النفط، وهو ما كان يُنتظر عادةً عند حرمان منتج رئيسي من الوصول إلى أسواقه الخارجية بشكل مفاجئ. وتذهب تقديرات شركة "تانكر تراكرز" إلى أن مستويات إنتاج النفط الخام الإيراني قد تقلصت لتقترب من حجم الاستهلاك المحلي والتكرير،
مما يعني بقاء كمية قليلة جداً من الفائض مخصصة للتخزين. هذا التطور يوحي بأن انهيار الصادرات تزامن مع هبوط ملحوظ في الإنتاج، وليس مجرد تراكم للبراميل داخل الموانئ الإيرانية. إن الحصار البحري ما هو إلا حلقة ضمن سلسلة جهود أمريكية أوسع
نطاقاً تستهدف تجفيف مصادر عائدات النفط الإيرانية. على مدار أشهر متتالية، ركزت وزارة الخزانة الأمريكية جهودها على الأسطول الإيراني غير الرسمي، وعلى التجار والوسطاء الماليين وشركات الشحن وحتى المشترين الأجانب. في شهر أبريل، فرضت الوزارة عقوبات على مصفاة "هينغلي" الصينية
للبتروكيماويات، بالإضافة إلى نحو أربعين شركة شحن وسفينة، معتبرةً أن هذه الشبكة تمثل شرياناً مالياً حيوياً لصناعة النفط الإيرانية. وفي يوليو، قامت وزارة الخزانة بتوسيع نطاق حملتها لمواجهة إمبراطورية الشحن التابعة لمحمد حسين شمخاني، حيث حددت أكثر من خمسين فرداً وشركة
وسفينة متورطين في تجارة النفط الإيرانية ومحاولات التهرب من العقوبات. ولم تتوقف واشنطن عند هذا الحد، بل صعّدت حملتها مجدداً في شهر أغسطس من خلال ما أطلقت عليه "عملية المنبوذ الاقتصادي"، التي وسعت من نطاق العقوبات لتشمل قطاع الشحن وقطاعات
أخرى ذات صلة، مستهدفةً الشبكات المتهمة بنقل النفط الخام والمنتجات البترولية الإيرانية. وهددت وزارة الخزانة الأمريكية بشكل مباشر سفناً تقول إنها نقلت ملايين البراميل من النفط الإيراني إلى الصين وأسواق أخرى. واستمرت الوزارة في حملتها خلال شهر سبتمبر، موضحة أن
عملياتها الأوسع تهدف إلى إغلاق القنوات المالية التي تستغلها إيران في تهريب النفط والتهرب من العقوبات. يكتسب هذا الضغط أهمية قصوى، نظراً لأن النفط لا يزال يمثل أحد أبرز المصادر التي تدر العملات الأجنبية لإيران. وقد وصفت وزارة الخزانة الأمريكية
مبيعات النفط الإيرانية مراراً بأنها شريان مالي حيوي يدعم الحكومة والقوات المسلحة. لقد أحدث الحصار البحري تحولاً جوهرياً في ديناميكيات اقتصاديات صادرات النفط الإيرانية. ففي حين تحتفظ إيران بقدرتها على إنتاج النفط الخام وتزويد مصافيها المحلية، إلا أن تحدي نقل الكميات
الفائضة إلى المياه الدولية قد تفاقم بشكل كبير. تواجه ناقلات النفط التي تحاول كسر الحصار جملة من المخاطر تشمل الاعتراض والهجوم، فضلاً عن احتمالية التعرض للعقوبات وفقدان التغطية التأمينية أو الخدمات المالية الضرورية. هذا الواقع يفسر جزئياً تزايد لجوء طهران
إلى ترتيبات شحن غير تقليدية، ومساعي بعض السفن المرتبطة بإيران لإخفاء مسارات تحركاتها. ولم يقتصر تأثير هذا الضغط على صادرات النفط فحسب، بل امتد ليشمل مجمل التجارة البحرية الإيرانية. ففي العاشر من سبتمبر، أعلنت طهران تعليقها المؤقت لرسوم الشحن البالغة 10%،
التي كانت مفروضة على السفن الأجنبية التي تتولى نقل النفط والغاز والمنتجات البترولية من وإلى إيران. وذكرت وكالة رويترز أن هذا الإجراء يأتي بهدف تخفيض تكاليف الشحن، وبالتالي تحفيز السفن الأجنبية على الاستمرار في خدمة التجارة الإيرانية في ظل وطأة
الحصار البحري الأمريكي المفروض.