أكد المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء، مظهر محمد صالح، اليوم السبت، أن مسيرة بناء مستقبل العراق لا يمكن أن تعتمد على الوظيفة الحكومية وحدها. وأوضح صالح أن الحكومة الحالية تسلمت مهامها في ظل ظروف عراقية معقدة، منها اقتصاد يعتمد بشدة على
النفط، ودولة مثقلة بإرث إداري ومالي طويل، وفساد متجذر، وتحديات أمنية وسيادية، وضغط اجتماعي متزايد يبحث عن فرص العمل والخدمات والحياة الكريمة. وأوضح أن الحكومة لم تتعامل مع هذه الملفات كأزمات منفصلة، بل سعت إلى النظر إليها كأجزاء من مشكلة
رئيسية واحدة تتمثل في بناء الدولة واستعادة قدرتها على إدارة مواردها ومصالحها. وأشار صالح إلى أن ملف مكافحة الفساد تصدر قائمة الأولويات التي أولتها الحكومة اهتماماً واضحاً، موضحاً أن الأهمية لا تقتصر على فتح الملفات أو اتخاذ الإجراءات، بل تتعداها إلى
تحويل مكافحة الفساد من مجرد خطاب سياسي تقليدي إلى مسار مؤسسي أكثر رسوخاً، يرتكز على الرقابة واسترداد الأموال العامة ومحاسبة المتورطين. وبين أن تحويل مكافحة الفساد إلى معركة معلنة ومستمرة يمثل خطوة جوهرية في الاتجاه الصحيح، خاصة بعد أن بات
الفساد، على مدى سنوات طويلة، أحد أكبر المعوقات أمام بناء الدولة. وأفاد صالح بأن الحكومة لم تكتفِ بإدارة الاقتصاد القائم، بل طرحت فكرة إصلاح بنيته الأساسية، مبيناً أن الحديث عن موازنة البرامج، وإصلاح القطاع المصرفي، وتطوير النظامين الضريبي والجمركي، ودعم القطاع
الخاص، وإنشاء أدوات جديدة لتمويل التنمية والاستثمار، يعكس محاولة للانتقال من اقتصاد يعتمد على توزيع الريع إلى اقتصاد ينتج القيمة. وأكد أن العراق لا يعاني من نقص في الموارد، بل يكمن التحدي في كيفية تحويل هذه الموارد إلى إنتاج حقيقي،
وفرص عمل، وثروة مستدامة، منوهاً بأهمية توجه الحكومة نحو الاستثمار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، وسعيها لفتح آفاق أوسع للشراكات الاستثمارية. وأضاف أن تنويع الاقتصاد ليس مجرد شعار مالي، بل هو السبيل نحو بناء سوق عمل حقيقية وإعادة تشكيل الطبقة
الوسطى في البلاد، بحيث ترتكز على العمل والإنتاج والكفاءة. وفي سياق الحديث عن القطاع الخاص، أوضح صالح مجدداً أن العراق لن يتمكن من بناء مستقبله بالاعتماد فقط على الوظيفة الحكومية، مبيناً أن المطلوب هو بناء اقتصاد قادر على خلق فرص عمل
خارج إطار الدولة، ومنح كل من الطبيب والمهندس والتاجر والمزارع والصناعي ورائد الأعمال مساحة حقيقية للنمو والتطور. وأشار إلى أن نجاح الحكومة في هذا المسار لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات التي تنجح في استقطابها، بل بعدد الوظائف المنتجة التي ستوفرها،
وبقدرتها على تحويل هذه الاستثمارات إلى نشاط اقتصادي ملموس يستفيد منه المواطن بشكل مباشر. وعلى صعيد الدولة والسيادة، أكد صالح أن التأكيد على حصر السلاح بيد الدولة واستعادة القرار الوطني يمثل رسالة سياسية واضحة مفادها أن بناء الاقتصاد لا يمكن أن
ينفصل عن بناء الدولة، مشدداً على أنه لا اقتصاد قوياً دون دولة قوية، ولا استثمار مستقراً دون بيئة أمنية وسيادية واضحة، ولا طبقة وسطى مستقرة دون مؤسسات تعمل وفق القانون. وفي ملف الطاقة، أشار إلى أن الحكومة تنظر إلى قطاعي الكهرباء
والطاقة ليس كمجرد ملفين خدميين، بل كركيزتين أساسيتين للصناعة والاستثمار والإنتاج، وأن أي نجاح حقيقي يتحقق في هذا القطاع من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد بأكمله. وبين أن تحركات الحكومة في مجالي الطاقة والاستثمار يمكن فهمها كجزء من مشروع
وطني أوسع، يهدف إلى تحويل العراق من اقتصاد يستهلك موارده إلى اقتصاد قادر على استثمارها بفعالية. وأفاد صالح بأن أكثر ما يثير الانتباه في تجربة الحكومة خلال هذه الفترة القصيرة، هو أنها لم تتوارَ خلف صعوبة الظروف، بل واجهت الملفات الشائكة
مباشرة، بما في ذلك الفساد، والاعتماد على الريع النفطي، والمالية العامة، والطاقة، والاستثمار، والقطاع الخاص، والسيادة. وأكد أن الحكومات لا تُختبر بما تغلقه من ملفات فحسب، بل أيضاً بما تجرؤ على فتحه، لافتاً إلى أن الأشهر الأولى لا تكفي للحكم
على نتائج إصلاحات تحتاج بطبيعتها إلى سنوات، لكنها كافية للكشف عن توجه الحكومة وإرادتها السياسية. وأوضح أن الحكومة لا تطرح، في خطابها الاقتصادي، مجرد زيادة في الإنفاق، وإنما تتحدث عن إصلاح شامل لبنية الاقتصاد، ولا تتعامل مع مكافحة الفساد كحملة إعلامية،
بل كقضية وطنية محورية تهم الدولة بأكملها. وأضاف أن الحكومة لا تنظر إلى القطاع الخاص كضيف على الاقتصاد الوطني، بل كشريك أساسي في عملية إنتاج الثروة، كما أنها لا تعتبر الطاقة مجرد خدمة، بل قاعدة رئيسية للتنمية، ولا تفصل بين
السيادة والاستقرار وبين القدرة على جذب الاستثمار وبناء اقتصاد مزدهر. وأكد أن نجاح الحكومة في تحويل ما طرحته من مبادرات خلال الأشهر الأولى إلى سياسات مستدامة ونتائج ملموسة، يعني أنها لن تكون قد حققت مجرد إنجازات حكومية متفرقة، بل تكون قد
بدأت في إعادة صياغة شاملة للعلاقة بين الدولة والاقتصاد والمواطن. وأشار إلى أن القيمة الأهم في بداية هذه الفترة الحكومية هي إعادة طرح السؤال المتعلق بكيفية الانتقال من دولة توزع الريع إلى دولة تصنع الثروة، ومن اقتصاد يزداد فيه الغني
غنىً كلما ضاقت فرص الآخرين إلى اقتصاد تصبح فيه زيادة ثروة الفرد إضافة إلى ثروة المجتمع. واختتم صالح تصريحاته بالقول إن أهمية المئة يوم الأولى لا تكمن في تحقيق كل الأهداف، بل في أنها أظهرت وجود حكومة لديها الإرادة للبدء في
معالجة الملفات التي طال تأجيلها، مبيناً أن شجاعة فتح هذه الملفات الصعبة قد تكون أول إنجاز حقيقي، حتى قبل أن تظهر نتائجها الملموسة على أرض الواقع.