التصعيد في البحر الأسود وتحديات الطقس القاسية تهدد الأمن الغذائي العالمي - أمن غذائي البحر الأسود Food Security Black Sea
اقتصاد

التصعيد في البحر الأسود وتحديات الطقس القاسية تهدد الأمن الغذائي العالمي

ف
فريق تجديد نيوز
6 أيلول 2026
7 دقائق قراءة
الرئيسية اقتصاد التصعيد في البحر الأسود وتحديات الطقس القاسية تهدد الأمن الغذائي العالمي
مشاركة:

تشهد إمدادات الغذاء العالمية تهديداً متزايداً في ظل تصاعد وتيرة الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا في منطقة البحر الأسود وبحر آزوف، والتي تستهدف السفن التجارية والموانئ منذ نحو شهرين. هذا التصعيد أدى إلى انخفاض ملحوظ في صادرات الحبوب من كلا

البلدين، ودفع العقود المستقبلية للقمح لتسجيل أعلى مستوياتها خلال ثلاث سنوات، مما ينذر بتداعيات واسعة على الأمن الغذائي عالمياً. تُعد كل من روسيا وأوكرانيا من القوى الفاعلة في سوق الحبوب العالمية، حيث تمثل صادراتهما مجتمعة أكثر من ربع إجمالي صادرات القمح

عالمياً، بالإضافة إلى مساهمتهما الكبيرة في إنتاج الشعير والذرة وزيت دوار الشمس. وتستدعي هذه الاضطرابات الراهنة المخاوف التي سادت في عام 2022، عندما أدت العمليات العسكرية الروسية واسعة النطاق في أوكرانيا إلى توقف فعلي لعمليات الشحن في الموانئ الأوكرانية، مما

دفع بأسعار الحبوب إلى مستويات غير مسبوقة. وعلى الرغم من أن التأثير الحالي على الأسعار لم يصل بعد إلى ذات الحدة التي شهدتها الفترة الماضية، إلا أن هذه التطورات تأتي في سياق بالغ التعقيد لقطاع الغذاء العالمي. فبالإضافة إلى النزاع الدائر،

يهدد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، نتيجة للصراع، تدفقات الأسمدة وغيرها من المدخلات الأساسية الضرورية للمزارعين. علاوة على ذلك، تواجه المحاصيل في أوروبا تحديات كبيرة جراء موجات الحر الشديدة التي تتسبب في ذبولها، بينما تُنذر ظاهرة "إل نينيو" المناخية

بإلحاق المزيد من الأضرار بالإنتاج الزراعي في مناطق متعددة حول العالم. تصعيد العمليات في البحر الأسود: على مدى أشهر، استهدفت روسيا البنية التحتية الخاصة بصادرات الحبوب الأوكرانية بضربات جوية مكثفة، طالت منشآت تديرها كبرى شركات تجارة المحاصيل العالمية، مثل "بانجي غلوبال" و"آرتشر

دانييلز ميدلاند". وفي شهر يوليو الماضي، كثفت القوات الروسية حملتها، مركزة ضرباتها على سفن الشحن والمحطات الرئيسية لتصدير الحبوب في مدن تشورنومورسك، وأوديسا، وبيفديني الأوكرانية. ومنذ ذلك الحين، تكاد الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود تتعرض للاستهداف الروسي بشكل يومي. كما امتدت

الضربات لتشمل موانئ أوكرانيا الواقعة على نهر الدانوب، والتي برزت كمركز بديل حيوي لصادرات الحبوب بعد أن تعطلت المسارات التقليدية في البحر الأسود. وكانت هذه الشحنات عبر الدانوب تواجه بالفعل تحديات ناجمة عن انخفاض مستويات المياه، وذلك بسبب ارتفاع درجات

الحرارة خلال فصل الصيف. الصراع والطقس يرفعان أسعار المحاصيل: نتيجة لهذه التطورات، شهدت صادرات أوكرانيا من الحبوب تراجعاً كبيراً، حيث انخفضت في شهر أغسطس الماضي إلى ما يعادل خُمس حجمها المحتمل، وفقاً لتصريحات وزير الزراعة تاراس فيسوتسكي. وحذرت وزارته من أن الشحنات

الزراعية للبلاد خلال الموسم الحالي قد تقل عن نصف الكمية التي كانت مقدرة سابقاً. ولا يبدو الوضع أفضل حالاً في روسيا، فقد كادت الهجمات الأوكرانية على الموانئ والسفن الروسية في البحر الأسود وبحر آزوف أن تشل مساراً حيوياً، عادةً ما يتولى

نقل أكثر من 70% من صادرات الحبوب الروسية. ففي يوليو، ضربت أوكرانيا ميناءين روسيين رئيسيين على ساحل بحر آزوف، مما أدى إلى تقييد حركة العبور عبر قناة الدون-آزوف، التي تربط البحر بنهر الدون، وهو ممر مائي رئيسي في روسيا. وفي

أغسطس، توقفت عدة محطات للحبوب في مركز التصدير الرئيسي للبلاد في نوفوروسيسك عن عملياتها بعد تعرضها لأضرار جسيمة جراء هجوم كبير بطائرات مسيرة. ومن المتوقع أن تستغرق الإصلاحات اللازمة لهذه المنشآت أشهراً عدة. تُشير المعلومات إلى أن روسيا تمتلك إمكانية استخدام

موانئها على بحر البلطيق للتصدير، غير أن طاقتها الاستيعابية المحدودة لا تكفي لاستيعاب نحو 60 مليون طن متري من الحبوب التي تستطيع البلاد تصديرها خلال موسم واحد. وقد صدرت روسيا في أغسطس أقل من نصف كمية القمح التي صدرتها في

الشهر نفسه من العام الماضي. وتوقعت شركة متخصصة في الأبحاث أن تنخفض صادرات سبتمبر إلى أدنى مستوى لذلك الشهر منذ عام 2010. الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأسود: توجد أسباب وجيهة وراء تسبب العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022 في أكبر قفزة

مسجلة في أسعار الغذاء العالمية. فالبحر الأسود يُعد أحد أهم ممرات الصادرات الزراعية في العالم، حيث تمر عبره حصة كبيرة من تجارة القمح والذرة وزيت دوار الشمس. وتُمثل الموانئ الأوكرانية بوابات حيوية للصادرات إلى دول في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا،

وهي دول لا تستطيع بسهولة تحمل تكلفة الحبوب الأعلى سعراً من مناطق أخرى. وتُعد روسيا أكبر مصدرة للقمح في العالم، حيث توفر نحو طن واحد من كل ستة أطنان يجري تداولها عالمياً، مما يجعل استمرار الوصول دون انقطاع إلى ممر البحر

الأسود أمراً بالغ الأهمية لأسواق الغذاء العالمية. ويُعد قمح البحر الأسود عادةً الأرخص عالمياً، وفقاً لتحليلات خبراء السلع. ويُشار إلى أن المشترين الذين يتأثرون بالأسعار سيضطرون إما لخفض طلبهم على الواردات أو مواجهة تكاليف أعلى، مما يدفع بتضخم أسعار الغذاء

العالمي نحو الارتفاع. ممر أوكراني بديل لشحن الحبوب: بعد انسحاب روسيا في عام 2023 من اتفاق يسمح بتصدير الحبوب عبر البحر الأسود، أنشأت أوكرانيا ممرًا بحريًا جديدًا لشحن الحبوب والسلع الأخرى من موانئها على البحر الأسود. ولتجنب الهجمات الروسية، تبحر السفن بمحاذاة

الساحل الأوكراني، ثم تمر عبر المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا، وهما دولتان عضوان في الاتحاد الأوروبي، قبل التوجه عبر مضيق البوسفور إلى البحر المتوسط. وقد أكد مستشارون في الأسواق أن السوق كانت تعتمد حتى وقت قريب على استمرار شحنات الحبوب دون انقطاع،

رغم النزاع في أوكرانيا، وأن التطورات الراهنة تمثل إعادة فتح للجرح الأصلي الذي أحدثه الصراع. جهود الوساطة والرفض الروسي: وقد عَرضت أوكرانيا على روسيا هدنة لوقف الهجمات على السفن التي تنقل السلع الزراعية عبر البحر الأسود، لكن موسكو رفضت الاتفاق لأنها أرادت

ضمانات بعدم استهداف بنيتها التحتية للطاقة، وفقًا لتصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أواخر أغسطس. وقد استهدفت هجمات أوكرانية بطائرات مسيرة، من بين أهداف أخرى، مصافي نفط في عمق الأراضي الروسية. وأقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالأضرار الاقتصادية الناجمة عن

الضربات الأوكرانية، وقال إنه رفض مقترحات من كييف لوقف إطلاق النار باعتبارها "غير مقبولة"، وفي بعض الحالات "غريبة"، دون تقديم مزيد من التفاصيل. في المقابل، صرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في 31 أغسطس أن تركيا على اتصال بروسيا وأوكرانيا

في محاولة لإحياء اتفاق الحبوب خلال الحرب الذي توسطت فيه الأمم المتحدة. ولم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الجهود ستنجح. تأثير الاضطرابات على أسعار الغذاء العالمية: تُشير التقييمات الدولية إلى أن أسعار السلع الغذائية المتداولة عالمياً تحوم قرب أعلى مستوياتها منذ

عام 2023، لكنها لا تزال أقل بكثير من الذروة التي بلغتها في أعقاب العمليات العسكرية في أوكرانيا. ولا تزال مخزونات الحبوب وفيرة بعد محاصيل قياسية في السنوات الماضية. وتُعد رومانيا، وبلغاريا، وصربيا مصادر بديلة مفيدة لإمدادات القمح من منطقة البحر

الأسود. مع ذلك، تزيد هذه الاضطرابات من الضغوط المتراكمة في السوق العالمية. ويواجه المزارعون في بعض الدول نقصاً وارتفاعاً في أسعار الأسمدة والوقود بسبب الإغلاق المتكرر لممر التجارة الحيوي عبر مضيق هرمز. وتضيف تقلبات الطقس طبقة أخرى من عدم اليقين؛ فقد

أضرت موجات الحر المتتالية بالمحاصيل في أجزاء من أوروبا، مما يترك المزارعين أمام حصاد أقل. ومن المرجح أن تجعل الأضرار التي لحقت بالذرة المنطقة أكثر اعتمادًا على واردات هذا المحصول، الذي يُستخدم علفًا للحيوانات. وفي الولايات المتحدة، دفعت فترات الجفاف

المستمرة في السهول الكبرى وحزام الذرة، وهما من مناطق الزراعة الرئيسية في البلاد، أسعار السلع الغذائية الأساسية إلى الارتفاع. ومن المتوقع أن تتسبب عودة ظاهرة "إل نينيو" في مزيد من الاضطرابات للقطاع الزراعي. الآثار على أوكرانيا وروسيا: تُمثل الحبوب مصدرًا رئيسيًا للعملة

الأجنبية لأوكرانيا، ويعني الاضطراب في البحر الأسود انخفاض دخل المزارعين، مما يزيد الضغوط على الاقتصاد في زمن الحرب. وفي ظل التحديات التي تواجه تصدير محاصيلهم، قد يقلص المزارعون الروس زراعة المحاصيل الشتوية، مما سيؤثر في الإمدادات العالمية مستقبلاً. يظل الوضع

في منطقة البحر الأسود، وما يصحبه من تحديات مناخية، عاملاً حاسماً في تحديد مسار الأمن الغذائي العالمي في الأشهر والسنوات القادمة.

ف
الكاتب

فريق تجديد نيوز