أصدر مسؤول سويدي رفيع تحذيراً حول التهديد الذي تشكله روسيا على الانتخابات المرتقبة في الديمقراطيات الأوروبية الكبرى، مؤكداً على أهمية تعزيز منصات التواصل الاجتماعي لجهودها في مكافحة شبكات "البوتات" المرتبطة بموسكو. وأوضح ماجنوس هيورت، المدير العام للوكالة السويدية للدفاع النفسي، أن
هذه الاستحقاقات الانتخابية تعتبر "فرصة ذهبية" لماكينة الحرب المعلوماتية التابعة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بهدف إحداث استقطاب وتفتيت داخل النسيج المجتمعي الأوروبي. وتابع أن الكرملين يسعى بالأساس إلى إثارة الشكوك لدى الناخبين بشأن جدوى مواصلة دعم سياسييهم لكييف بالمال والسلاح،
وذلك عبر نشر روايات زائفة حول قضايا فساد ومزاعم انتهاكات في أوكرانيا. لا يرى هيورت وفريقه أن موسكو تستهدف الانتخابات العامة السويدية المزمع إجراؤها الأحد، مرجعين ذلك جزئياً إلى الإجماع الوطني حول سياسة دعم أوكرانيا. وبدلاً من ذلك، لفت هيورت إلى
أن روسيا تركز جهودها على دول ذات نفوذ أكبر ستشهد استحقاقات انتخابية قريبة، ومنها انتخابات الولايات الألمانية والانتخابات الرئاسية الفرنسية، حيث يُتوقع أن تحقق أحزاب اليمين المتطرف، المعروفة بتعاطفها مع موسكو، مكاسب هامة. وصرح هيورت قائلاً: "تشير تقديراتنا إلى أن روسيا
تولي أولوية لانتخابات في دول أخرى، وللدول الأوروبية الكبرى على وجه الخصوص". وأردف: "تتجه ألمانيا نحو انتخابات إقليمية ومحلية، بينما تستعد فرنسا لانتخابات رئاسية في العام القادم". تأتي هذه التصريحات في سياق تحذيرات سابقة من مساعٍ روسية للتأثير على الناخبين
في ألمانيا خلال الشهر الجاري، إضافة إلى الجدل الذي أثير قبل الانتخابات السويدية المرتقبة الأحد حول صلات مزعومة بين مسؤول من اليمين المتطرف وموسكو. **الحرب الهجينة** تتنامى المخاوف في ألمانيا بشأن ما يوصف بـ "الحرب الهجينة" التي يشنها الكرملين، والتي تجلت في
هجوم بطائرة مسيرة على مطار لايبزيج، فضلاً عن نشر محتوى زائف على منصات التواصل يتضمن اتهامات بالفساد وجرائم جنسية ضد مرشحين للانتخابات. ومن المقرر أن تشهد برلين وولاية مكلنبورج-فوربومرن انتخابات أخرى في 20 سبتمبر، وسط توقعات بتحقيق حزب "البديل من
أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف نتائج قوية. وفي فرنسا، تتصدر مارين لوبان، زعيمة حزب "التجمع الوطني" الذي طالته انتقادات سابقة بسبب تعاطفه الملحوظ مع روسيا، استطلاعات الرأي في السباق الرئاسي المرتقب العام القادم. جدير بالذكر أن حملات تضليل وتأثير مدعومة من
روسيا استهدفت السويد خلال السنوات الماضية، لا سيما في الفترة التي سبقت انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). وطالب هيورت منصات التواصل الاجتماعي ببذل جهود أكبر لتفكيك شبكات الحسابات الآلية (البوتات) التي تروج لمعلومات مضللة وتدير حملات مؤثرة على الرأي العام.
وعند سؤاله عما إذا كان راضياً عن جهود شركات كـ "ميتا" و"تيك توك" و"إكس" في التصدي لهذه الظاهرة، أجاب هيورت بوضوح: "فيما يخص المنصات؟ لا، أرى أنه يجب عليها بذل المزيد من الجهد للحفاظ على بيئاتها الرقمية خالية من شبكات
البوتات هذه؛ بالتالي، هناك مجال واسع للتحسين". وأوضح أن عمالقة التواصل الاجتماعي تحركهم "أجندة" خاصة تتمحور حول "تحقيق الأرباح"، مضيفاً: "نحن نمتلك أجندة مختلفة، هدفنا هو التخلص من شبكات البوتات التي تستهدف ديمقراطياتنا. بطبيعة الحال، هم لا يرغبون بوجودها على منصاتهم،
لكن إزالتها تمثل بالنسبة لهم عبئاً ومتاعب". واستطرد هيورت قائلاً: "يجب علينا مضاعفة جهودنا، واستكشاف سبل أكثر فعالية لحماية ديمقراطياتنا. يتطلب الأمر التعاون مع نظرائنا في الدول الأوروبية، وإيجاد قنوات لحوار بنّاء ومثمر مع هذه المنصات الرقمية". **أسلوب "ماتريوشكا"** وكشف هيورت أن
وكالته ترصد "تدفقاً متواصلاً" لعمليات التلاعب بالمعلومات والتدخل الأجنبي القادم من دول مثل روسيا والصين وإيران. ولاحظ فريقه في الآونة الأخيرة دلائل على محاولة شن حملة تضليل موالية لروسيا، مستخدمين في ذلك ما يعرف بأسلوب "ماتريوشكا" أو (الدمية الروسية). وأوضح
أن هذا التكتيك يهدف إلى تشتيت تركيز مدققي الحقائق والصحافيين وآخرين من خلال إرسال رسائل بريد إلكتروني تحمل عنواناً استفزازياً مثل: "انظروا ماذا يفعل الروس". وأردف: "تكمن الفكرة في دفعهم لتناول الأمر ومشاهدة المقطع المصور أو المحتوى المستهدف، ثم نشره
مصحوباً بتفنيد يوضح زيفه، ما يسفر في النهاية عن إضاعة وقتهم وجهدهم في التعامل مع مثل هذه المواد". ويعتقد هيورت أن الأسلوب الأمثل للتعامل مع هذه الحملات يكمن في حرمانها من "أكسجين التفاعل" ببساطة. وصرح قائلاً: "يجب تجاهل جزء كبير من
هذه الأمور" لتجنب الوقوع في "الفخ" الذي نصبته روسيا، مضيفاً: "إنهم يسعون لاستدراجك للتفاعل، وإثارة غضبك أو حماسك. يريدون منك أن تتفاعل وأن تشارك معلومات تزيد من حدة الاستقطاب... لذلك، من الأفضل تركها دون اهتمام". **شبكة العطلات** وأفاد هيورت بأن جهة حكومية،
لم تُفصح السلطات عن هويتها، تولت مسؤولية إدارة شبكة من 1200 حساب آلي (بوت) على منصة "إكس"، استهدفت السويد ودولاً أخرى بغرض بث الانقسام داخل المجتمعات. وقد أُطلق على هذه الشبكة اسم "شبكة العطلات" كونها استهلت نشاطها بمناقشة مواضيع تبدو
بريئة وغير خلافية، مثل قضايا العطلات والرياضة. وكشفت الوكالة أن الشبكة قامت بنشر ما يقرب من 50 ألف منشور وتعليق خلال عامي 2025 و2026، احتوت على آراء مصممة عمداً لإثارة الانقسام، حيث أبدت دعماً أو رفضاً شديداً لقضايا سياسية محورية.
وعلق هيورت قائلاً: "تلك هي الآلية المتبعة عند الرغبة في إحداث استقطاب داخل المجتمع". وأكد رئيس الوكالة أن فريقه على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي تطورات محتملة في الأيام الأخيرة التي تسبق الانتخابات السويدية، مشيراً إلى تنسيقهم الوثيق مع الأجهزة الأمنية
وهيئات الانتخابات ووكالة الدفاع المدني، وذلك ضمن إطار هيكلي أُسس خصيصاً لضمان حماية الديمقراطية. وفي الوقت الراهن، لم يبدِ هيورت قلقاً من تأثير روسيا على الحملة الانتخابية، مصرحاً: "يشير تقييمنا للوضع إلى غياب حملة منسقة تستهدف السويد حالياً". وقد يتمثل
الخطر الأكبر الذي يواجه انتخابات الأحد في التضخيم الشعبي للقلق إزاء النفوذ الروسي. وفي هذا السياق، نبه هيورت إلى أن "الخوف من التدخل الأجنبي قد يكون أحد أكبر المشكلات، إذ قد يؤدي المبالغة في تقدير حجم التهديد إلى دفع البعض
للادعاء بعدم نزاهة الانتخابات أو استهدافها، مما قد يعرقل جهود تشكيل حكومة مستقرة بعد الانتهاء منها".